نخبة من الأكاديميين

174

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الثالث وعلى المهام التي أسندت إليه وعلى ما قام به ولكن علينا أن نفطن وأن نرى أيضاً مكانة هذا اليهودي في سياق الفترة التي عاش فيها ، ورؤية الطائفة اليهودية لهذه الحظوة لكي تنجلي لنا صورة واضحة عن تاريخ اليهود في الأندلس وعن علاقاتهم بالمسلمين . فليس بإمكاننا التعرف على موقف اليهود مما حصل عليه حسداي من مكانة ، غير أن وصول يهودي إلى هذا المنصب لابد وأنه كان ذا أصداء داخل طائفته بشكل يحسن علاقاتها بالمسلمين ويؤثر بالنفع على هذه العلاقات . خاصة وأن في هذه الفترة أسست مدرسة قرطبة التلمودية « 1 » وغدت مركزا لهذه الدراسات . وليس صدفة أن نجد هجرات يهودية تتدفق على الأندلس في هذه الفترة « 2 » . ومكنت حظوة حسداي عند الحكم المستنصر « 3 » ابن عبد الرحمن الثالث من استجلاب مجموعة من المؤلفات العبرية لضبط " دينهم وسني تاريخهم ومواقيت أعيادهم " ، فتخلصوا مما كانوا يعانون منه في التعرف على دينهم وتاريخهم من يهود بغداد « 4 » . وإذا كان لهذه العلاقة بين المسلمين واليهود من تجل في إبراز طبيعتها ونتائجها فإنها تظهر في دخول عدد من اليهود في الإسلام . ويبدو أن اليهود دخلوا في الإسلام بأعداد كبيرة وفي فترات متتالية ومختلفة مما جعل المسلمين ينتبهون إلى هذه الظاهرة التي باتت تتعاظم في المجتمع الأندلسي فأطلقوا لقب " أسلمي " على هؤلاء المسلمين الجدد . والأغلب على الظن أن إيراد هذه التسمية في المصادر ولم تكن الأدبيات التاريخية لتتحدث عنها إلا بسبب ذيوعها في الأندلس وهو ما قد يؤكد أن أعداد اليهود الذين اعتنقوا الإسلام كان كبيرا . ثم إن الفئة التي اعتنقت الإسلام كانت تنتمي إلى طبقة النخبة العالمة كما أكدت على ذلك Mercedes Garcia Arenal 43 . وبعيدا عن دوافع اعتناق الإسلام لدى هذه الطبقة فإن الدخول في الإسلام عند الفئة العالمة له دلالات كثيرة وهامة في علاقات المسلمين باليهود . ذلك أن الفئة المثقفة كان لها علم تتميز به عن سائر العوام ولها زوايا عديدة تنظر من خلالها إلى الإسلام وإلى معاملة المسلمين زيادة على تقديرها لكل ما وفره الحكم الإسلامي لليهود في الأندلس . فلا شك أنهم قارنوا وضعيتهم الجديدة بالوضعية القديمة أو ما كان يصل إليهم عن وضعية اليهود في الدول المسيحية ، فتوصلوا عن قناعة إلى اعتناق الإسلام . ويجوز أن يكون تحولها إلى الدين الجديدة قد أثر إيجابا على سائر اليهود . 2 - علاقات متوترة إن ما خلصنا إليه من نتيجة لجانب من العلاقات بين اليهود والمسلمين لا يمكن أن يكون الصورة الوحيدة للتعايش بين الجانبين . فالعيش المشترك لا بد وأن يؤدي إلى احتكاكات وتشنجات ولا بد أن يعرف فترات عصيبة تؤثر على العلاقة بين الجانبين إن في جهات معينة أو في مجموع البلاد . ففي أوساط العامة المسلمة برزت مجموعة من الأمثال الشعبية التي تصور نظرة هؤلاء إلى اليهود فوقفوا على نقائصهم وسخروا منهم « 5 » . ويتماشى ما تقدمه هذه الأمثال مع إيحاءات أخرى تطلعنا عليها

--> ( 1 ) - كان اليهود يتوفرون على مدرستين للدراسات التلمودية : الأولى في العراق والثانية في فلسطين . وكان ليهود الأندلس ارتباط بالمدرسة العراقية . وكان لحسداي بن شبروط اهتمام بالطب وبالسياسة وبالأدب وانصب اهتمامه أيضا على الشريعة اليهودية ، فأولى رعاية خاصة لدراسة التوراة واستجلب من أجل ذلك كمية هائلة من المؤلفات القديمة من العراق في إطار النشاط المعرفي الذي أشرف عليه الحكم المستنصر لاقتناء المؤلفات في جميع أنواع العلوم . ولم يقتصر جهد حسداي على اقتناء الكتب بل عمل على استجلاب أساتذة وباحثين في المعارف التلمودية من أجل تدريسها في الأندلس وحفزهم بأموال سخية . وضمن هذا النهج استقدم إلى الأندلس موسى بن حنوخ أحد المتخصصين الكبار في الدراسات التلمودية على الطريقة الفلسطينية . فأسس عندئذ بقرطبة مركزا للدراسات التلمودية . وغدت مدرسة مستقلة عن المركز اليهودي ومدرسته بالعراق ؛ انظر صاعد ، طبقات الأمم ، ص 277 ؛ عنان ( 1969 ) دولة الإسلام في الأندلس الخلافة الأموية ص 515 - 516 وكذلك The Jews , T . 1 , p . 228 - 238 Ashtor ( 1984 ) وكذلك Palaez del Rosal ( 1991 ) , Hasdai p . 61 - 77 . ( 2 ) - Ashtor ( 1984 ) , T . 1 , p . 219 - 220 ; Palaez del Rosal ( 1991 ) , Hasdai . p . 75 . ( 3 ) - هو الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الثالث الناصر تلقب بالمستنصر بالله ( 350 - 370 ه - / 961 - 970 م ) . ورث عن أبيه بلادا موحدة ومستقرة وواصل سياسته في الدفاع عن الحدود والمحافظة على وحدة الأندلس . واشتهر بحسن السيرة وبحبه للعلوم وبإكرام أهلها ، وكان جماعا للكتب وأنفق فيها أموالا كثيرة ؛ انظر على سبيل المثال : الضبي بغية ، ص 19 - 21 ؛ ابن الأبار ، الحلة ، ج 1 ، ص 200 - 205 ؛ ابن سعيد ، المغرب ، ج 1 ، ص 186 - 187 ؛ ابن عذاري ، ج 2 ، ص 233 - 253 ؛ عنان ( 1969 ) ، الخلافة الأموية ، ص 482 - 516 . ( 4 ) - ابن أبي أصبيعة ، طبقات ، ج 3 ، ص 82 . ( 5 ) - ( 1992 ) ، Rapports , p . 92 .